أبو عباس محمد بن يزيد المبرد ( المبرد النحوي )
160
الكامل في اللغة والأدب
قد حلب الدهر أشطره ، أي قد قاسى الشدّة والرخاء وتصرّف في الفقر والغنى كما قال القائل : قد عشت في الناس أطوارا على طرق * شتّى وقاسيت فيها اللّين والفظعا « 1 » كلّا بلوت فلا النعماء تبطرني * ولا تخشّعت من لأوائها « 2 » جزعا لا يملأ الهول صدري قبل موقعه * ولا أضيق به ذرعا إذا وقعا ومعنى قوله أشطره فإنما يريد خلوفه يقال : حلبتها شطرا بعد شطر وأصل هذا من التنصّف لأن كل خلف عديل لصاحبه وللشطر وجهان في كلام العرب فأحدهما النصف كما ذكرنا من ذلك قولهم : شاطرتك مالي والوجه الآخر القصد يقال : خذ شطر زيد أي قصده . قال اللّه عزّ وجل فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ « 3 » أي قصده وحيث ما كنتم فولّوا وجوهكم شطره ، قال أبو العباس : وأنشدني التوّزيّ عن أبي عبيدة قول الشاعر : إنّ العسير بها داء مخامرها * فشطرها نظر العينين محسور يريد ناحيتها وقصدها والعسير التي تعسر بذنبها إذا حملت أي تشيله وترفعه ، ومنه سمّي الذنب عوسرا أي تضرب بذنبها ، ومعنى ذلك أنه ظهر من جهدها وسوء حالها ما أطيل معه النظر إليها حتى تحسر العينان والحسير المعيي وفي القرآن يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ « 4 » وقوله : سقاها ذوو الأحلام سجلا على الظما ، فالسجل في الأصل الدلو وإنما ضربه مثلا لما فاض عليها من ندى أقارها يقال للدلو وهي مؤنثة سجل وذنوب وهما مذكّران
--> ( 1 ) الفظعا : مصدر فظع الأمر من باب تعب إذا استعظمه ولم يثق بأن يطيقه وفظع بالأمر أيضا ضاق به ذرعا . ( 2 ) لأوائها : الشدة . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 144 . ( 4 ) سورة الملك : الآية 4 .